رؤية تحليلية: 1967م.. العام الذي لا يموت

نهى خالد

مصور “إسرائيلي”: كنا جميعاً نبكي.. لم يكن بكاء عاطفة دينية بل كان بكاء الفرج كنا نشعر أننا على وعد مع الجحيم

خاب أمل “إسرائيل” في التزام القوى الدولية بأمنها وهو ما أفرز نهجاً في التعامل تتبناه إلى اليوم: “لنفعل ما نشاء وليذهب المجتمع الدولي إلى الجحيم”!

حرب الستة أيام هي إحدى هذه اللحظات النادرة في التاريخ فهي لحظة نجحت فيها “إسرائيل” في استيعاب دروس التحوّلات من منظومة الحقبة الاستعمارية إلى منظومة الحرب الباردة

منذ أن انتهت حرب الستة أيام، أو “نكسة عام 1967م”، ونحن مازلنا في يومها السابع، كذلك قال مرة أحد المحللين. أحدثت النكسة أبرز تحوّل في الصراع العربي – “الإسرائيلي” على كافة الأصعدة، ووضعت كل الأطراف المعنيين في سياق لم يستطيعوا إلى اليوم أن يغيّروه، بل ورسموا طموحاتهم وآمالهم في إطاره، فالعودة إلى حدود عام 1967م أصبح أمل الكثيرين، عوضاً عما كان الحال عليه قبل ذلك، إذ كانت حدود عام 1967م هي نقطة الانطلاق، لا خط النهاية المأمول، على الصعيد “الإسرائيلي”، قلبت الحرب الموازين بشكل غير مسبوق، لا يزال هو أيضاً معنا إلى اليوم

حرب “الفَرَجْ”.. وصعود اليمين الديني

أبرز ما غيّرته الحرب في الداخل “الإسرائيلي” كانت الحالة النفسية لأغلب “الإسرائيليين”، والذين كانوا قبل الحرب يعانون شعوراً بالاضطهاد والخوف، وهُم الوافدون الجدد على المنطقة، وأغلبهم فارون من ذُعر النازية، بعد الحرب انقلب ذلك الإحساس إلى النقيض، خصوصاً بعد أن أصبحت فلسطين التاريخية كلها في أيدي “إسرائيل”، وخصوصاً القُدس، وهو ما أدى إلى ظهور موجة دينية اعتبرت ما جرى معجزة للشعب اليهودي، فتلوّنت الفكرة الصهيونية بهذه الموجة وقضى بشكل جزئي على الجذور العلمانية الأوربية لها في مقابل طابع ديني أكثر خصوصية نشأ من السياق “الإسرائيلي” الجديد

“ديفيد روبينجر”، المصور الإسرائيلي الذي التقط أشهر صور الحرب، كان مع القوات “الإسرائيلية” حين سيطرت على حائط البراق (الحائط الغربي)، وقد كتب معبراً عن الأجواء حينها: “كنا جميعاً نبكي، لم يكن بكاء عاطفة دينية، بل كان بكاء الفرج، كنا نشعر أننا على وعد مع الجحيم، وكأننا سنواجه حكماً بالإعدام، وفجأة فتح أحدهم الباب وقال: إننا لسنا فقط أحرار، بل الملوك في الأرض، بدا الأمر وكأنه معجزة”

بتحوّل الصهيونية من فكرة علمانية إلى موجة دينية، وفي مجتمع ديمقراطي، كان طبيعياً أن تتغير الخارطة السياسية تباعاً، وهو ما حدث بالفعل بنهاية هيمنة حزب العمال على الحياة السياسية وصعود أحزاب اليمين الديني ممثلة في كُتلة الليكود بقيادة “مناحم بيجين”، لم يكن صعود اليمين فقط تجسيداً لتلك الموجة الدينية، بل تجسيداً أيضاً لفكرة خصوصية الهوية “الإسرائيلية” في مواجهة الانتماء الأوروبي للجيل الأول من “الإسرائيليين”، خصوصاً بعد موقف المجتمع الدولي الهزيل تجاه “إسرائيل” قُبَيل حرب الأيام الستة

ليذهب المجتمع الدولي إلى الجحيم!

المجتمع الدولي الذي كانت تعتبره “إسرائيل” سنداً لها بشكل أو بآخر، اهتزت ثقتها فيه بعد موقف فرنسا − أحد أقوى حلفائها وراعية برنامجها النووي − من إغلاق “عبدالناصر” لمضيق “تيران”، يذكر “أبا إيبان”، وزير الخارجية “الإسرائيلي” آنذاك، كيف شكا للرئيس “دي جول” من تباطؤ فرنسا في الرد على الخطوة المصرية، رُغم أنها ممن ساندوا وتبنوا الضمان الذي قدمه الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” في أعقاب حرب السويس ببقاء مضيق “تيران” مفتوحاً للملاحة مهما كانت الظروف، كان رد “دي جول” ببساطة على شكوى “أبا إيبان”: “كان ذلك في عام 1957م، نحن الآن في 1967م”! الولايات المتحدة بدورها كانت منشغلة بحرب فيتنام، ولم يكن بوسعها فتح المضيق بالقوة العسكرية، كما تعهّدت في السابق

تباطؤ القوى الدولية كان مفهوماً، فالولايات المتحدة كانت مهمومة بالأساس بالحرب الباردة في أوجها، وكانت فرنسا في خضم صراع في مستعمراتها الأفريقية التي أخذت تنفلت منها الواحدة تلو الأخرى، في حين كانت “إسرائيل” مجرد دولة صغيرة ناشئة اقتصادية، ولم تُظهر قوتها العسكرية النظامية بقوة في أي من حروبها

خاب أمل “إسرائيل” في التزام القوى الدولية بأمنها، في حين ازدادت ثقتها بقوتها المنفردة بعد الحرب، وهو ما أفرز نهجاً في التعامل لا تزال “إسرائيل” تتبناه إلى اليوم: “لنفعل ما نشاء، وليذهب المجتمع الدولي إلى الجحيم”! توطد هذا الأمر بطبيعة الحال بالصعود السياسي لليمين الديني، والذي اتخذ مواقف أكثر تطرّفاً، وأكثر تجاهلاً للمجتمع الدولي

لم يكن هناك تحالف إستراتيجي بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” قبل الحرب، وكل التزامات الولايات المتحدة تجاه “إسرائيل” كانت في إطار الاصطفاف مع أوروبا التي دعمت “إسرائيل”، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، ودعم حق اليهود في دولة بفلسطين بعد خروجهم من أوروبا، إلا أن ذلك تحوّل بشكل كبير بعد عام 1967م، خصوصاً مع صعود اللوبي اليهودي

أمريكا تحسم أمر اختيار حليفها بالمنطقة

كانت الولايات المتحدة تتوجس دوماً من أن تلقي بثقلها بالكامل إلى جانب دولة صغيرة كـ”إسرائيل”؛ خوفاً من استعداء دول عربية كبيرة بطول المنطقة خرجت من ثوب الاستعمار البريطاني، وكانت تأمل أمريكا أن تؤسس تحالفاً معها كخليفة للإنجليز بالمنطقة، وكذلك خوفاً من إغضاب السعودية، أحد مصادر النفط الأساسية للغرب كلّه

سياسات الولايات المتحدة قبل عام 1967م كانت العمل مع دول أوروبا على الوصول إلى تسوية دون الحاجة إلى حرب أخرى، وهو ما تجلّى في الرفض المتكرر لتزويد “إسرائيل” بأسلحة شديدة التطور قبل الحرب، فـ”إسرائيل” قد طلبت قبيل الحرب من إدارة الرئيس “جونسون” أن تزودها بصواريخ “هوك”، ودبابات “باتّون”، وطائرات “سكاي هوك 24″، وهي طلبات قوبلت بالرفض المستمر، أضف إلى ذلك أن وزير الخارجية “أبا إيبان” طلب كثيراً في مايو 1967م دعماً لضربة استباقية، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، “دين راسك”، رفض ذلك، واعتبر أي ضربة استباقية من جانب “إسرائيل” بمثابة النهاية للعلاقات بين البلدين

بعد الانتصار الساحق لـ”إسرائيل” صباح الخامس من يونيو، عبّر “راسك” عن فرحته بأن الضربة الاستباقية على عكس ما توقّع لم تلقِ بـ”الإسرائيليين” إلى الجحيم، وإن أعرب عن تحفّظه على عدم إخباره بها!

على العكس من الحقائق على الأرض، بثت الإذاعات العربية أنباءً عن دعم عسكري بريطاني – أمريكي لـ”إسرائيل”؛ لتبرير هزيمتها، وقد كانت هذه الكذبة بمثابة نبوءة تحققت بالفعل، إذ أصبحت “إسرائيل” منذ ذلك اليوم حليفاً أساسياً للولايات المتحدة، خصوصاً والحرب قد أشعلت سباق تسلُّح بين مصر و”إسرائيل” أقلق الولايات المتحدة من الدور السوفييتي في مصر، مما دفعها أكثر تجاه “إسرائيل”

من النادر أن يكون لحدث دام بضعة أيام أثرٌ تاريخي يهيمن لعقود، حرب الستة أيام هي إحدى هذه اللحظات النادرة في التاريخ، فهي لحظة نجحت فيها “إسرائيل” في استيعاب دروس التحوّلات من منظومة الحقبة الاستعمارية إلى منظومة الحرب الباردة، لتلقي بشباكها في وسط هذا المحيط المتغيّر وتغتنم صيداً ثميناً ورصيداً إستراتيجياً لا يزال معنا إلى الآن، لا سيّما أن تصبح أراضي اللُب “الإسرائيلي” (ما قبل حدود عام 1967م) أمراً غير خاضع للنقاش، وقاعدة دائمة للوجود “الإسرائيلي”

يعيش العالم اليوم تحوّلات شبيهة، أبرزها تحولات النظم السياسية بعد “الربيع العربي”، تراجع أهمية النفط في السياسية الأمريكية، رغبة الولايات المتحدة في تقليل وجودها بالمنطقة مقابل توطيد وجودها في شرق آسيا، وغيرها، هل يمكن لنا فتح أشرعتنا في اتجاه تلك الرياح لنقتنص رصيداً إستراتيجياً جديداً مفقوداً منذ نهاية الاستعمار وسقوط الخلافة؟ أم أن “إسرائيل”، المنتبهة بقوة لما يجري عالمياً، ستقتنص هذه الفرصة أيضاً؟ تُرى متى يموت العام 1967م؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s